أحمد بن أعثم الكوفي

271

الفتوح

وسار ابن الحر فجعل لا يمر بقرية من قرى الشام إلا أغار عليها هو وأصحابه ، فلم يزل كذلك حتى قدم الكوفة ، وبها يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فصار ابن الحر إلى منزله فإذا قد زوجت امرأته برجل من العرب ( 1 ) ، قال : فهم ابن الحر أن يخاصم أولياء المرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال له بعض بني عمه : أتخاصم إلى رجل كنت بالأمس عليه مع معاوية ؟ فقال ابن الحر : والله ما كنت عليه ساعة قط ، ولو كنت عليه ما خفت أن يجور علي في الحكم . قال : ثم اختصم ابن الحر مع أولياء المرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقضى علي رضي الله عنه بالمرأة لابن الحر ! فانتزعت المرأة من ذلك الرجل وردت إلى ابن الحر . وأقام ابن الحر بالكوفة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يغدو إليه ويروح ( 2 ) . فلم يزل كذلك إلى أن قتل علي رضي الله عنه ، ومات الحسن بن علي ، ومات زياد بن أبيه ، وولي عبيد الله بن زياد البصرة والكوفة من قبل يزيد بن معاوية ، فأنف عبيد الله بن الحر أن يناله القوم بسوء ، فخرج عن الكوفة فنزل بقصر بني مقاتل بن سليمان الحميري ، فلم يزل هنالك مقيما إلى أن قتل مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وإلى أن وافى الحسين بن علي فنزل بقصر بني مقاتل ثم بعث إلى ابن الحر يسأله النصرة فأبى عليه ، فتركه الحسين رضي الله عنه ومضى إلى كربلاء فقتل هنالك - رضي الله عنه - ، وبلغ ذلك ابن الحر فندم على تركه الحسين ندامة شديدة ، وقال في ذلك أبياتا قد أخلفناها في مقتل الحسين رضي الله عنه . قال : ثم أقبل ابن الحر حتى دخل الكوفة بعد مقتل بالحسين بثلاثة أيام ، وبها يومئذ عبيد الله بن زياد فهو يفتقد أشراف الناس إذا دخلوا عليه فلا يرى فيهم عبيد الله بن الحر ، فلما دخل ونظر إليه ابن زياد وقال : أين كنت يا بن الحر ؟ قال : كنت مريضا أصلح الله الأمير ، فقال : مريض القلب أم مريض الجسد ؟ فقال ابن الحر : أما قلبي فإنه لم يمرض قط والحمد لله ، وأما جسدي فقد كان مريضا وقد من الله علي بالعافية فقال : أبطلت يا بن الحر ! ما كنت مع عدونا الحسين بن علي ؟ فقال : إني لو كنت مع الحسين لم يخف عليك مكاني أيها الأمير ! فقال ابن زياد :

--> ( 1 ) يقال له عكرمة بن الخبيص ( ابن الأثير 3 / 25 ) . ( 2 ) في ابن الأثير عاد إلى الشام فأقام به حتى قتل علي ، فلما قتل أقبل إلى الكوفة . ويفهم من رواية الطبري أنه بقي في الشام أيام معاوية - ولم يغادر إلى الكوفة - ولم يزل معه حتى قتل علي .